الشيخ محمد رشيد رضا

121

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وليس لأحد ان يقيد ما أطلقه الشارع الا ببينة منه . فالتراضي من المتعاقدين شرط في صحة العقد لقوله تعالى « عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ » وأما الايجاب والقبول فلا نص فيه وانما هو عبارة عن العقد نفسه إذ الغالب فيه ان يكون بالصيغة اللفظية قولا أو كتابة ، والإشارة تقوم مقام العبارة عند الحاجة كإشارة الأخرس . والفعل أبلغ من القول في حصول المقصد من العقد كبيع المعاطاة الذي منعه بعضهم تعبدا بصيغة الايجاب والقبول اللفظية ، ومثل بيع المعاطاة إعطاء الثوب للغسال أو الصباغ أو الكوّاء فمتى أخذه منك كان ذلك عقد إجارة بينكما بأجرة المثل . ومن هذا القبيل إعطاء المال لمن بيده تذاكر السفر في سكك الحديد أو البواخر واخذ التذكرة منه ، ومثله دخول الحمام وركوب سفن الملاحين ومركبات الحوذية الذين يأخذون الأجرة بعد إيصال الراكب إلى المكان الذي يقصده ، فكل قول أو فعل يعده الناس عقدا فهو عقد يجب ان يوفوا به كما أمر اللّه تعالى ما لم يتضمن تحريم حلال أو تحليل حرام مما ثبت في الشرع كالعقد بالاكراه أو على إحراق دار أحد أو قطع شجر بستانه أو على الفاحشة أو أكل شيء من أموال الناس بالباطل كالربا والميسر ( القمار ) والرشوة فهذه الثلاثة منصوصة في الكتاب والسنة . ونهى النبي ( ص ) عن بيع الغرر كما في صحيح مسلم وغيره لأنه من قبيل الميسر في كونه مجهول العاقبة وهو من الغش المحرم أيضا ، وقد توسع بعض الفقهاء في تفسير الالفاظ القليلة التي وردت في الكتاب والسنة فأدخلوا في معنى الربا والغرر ما لا تطيقه النصوص من التشديد ودعموا تشديداتهم بروايات لا تصح ، وأشدهم تضييقا في العقود الشافعية والحنفية وأكثرهم تسامحا وسعة المالكية والحنابلة . ومن الأصول التي بنوا عليها معظم تشديداتهم في ذلك ذهاب بعضهم إلى أن الأصل في العقود والشروط الحظر فلا يصح منها الا ما دل الشرع على صحته ، وأن كل شرط يخالف مقتضى العقد باطل ، وعدوا من هذا ما يمكن ان يقال إنه ليس منه . واطلاق الوفاء بالعقود يدل على أن الأصل فيها الإباحة وكذلك الشروط « تفسير القرآن » « 16 » « الجزء السادس »